حسن بن حمزة الشيرازي ( شرف البلاسي )
53
رسالتان في الحكمة المتعالية والفكر الروحي
والحياة بتوسّط الروح ، والروح تفعل ذلك بغير توسّط ، والنفس الناطقة تحرّك البدن وتنيله الحسّ والحياة فإنّها أوّل علّة لذلك وفاعلة فيه ، والروح تفعل ذلك وهي علّة ثانية ، فالروح إذن قريبة لحياة البدن وحسّه وحركته وباقي أفعاله ، والنفس الناطقة علّة بعيدة لذلك . وذلك أنّ الإنسان لمّا كان مركّبا من أجزاء صلبة وهي العظام والغضاريف والأعصاب والعروق وما أشبه ذلك ، ومن أعضاء رطبة وهي الأخلاط الأربعة ، أعني الدم والبلغم والمرّة الصفراء والمرّة السوداء أو من الروح الذي في تجويف القلب والدماغ والشريانات والأعصاب ، ولأنّ الروح أرقّ هذه الأجزاء وألطفها وأصفاها ، كان ذلك أشدّ قبولا لفعال الناطقة من سائر أجزاء البدن ، وعلى قدر ذلك من رقّته ولطفه وصفاءه قبل من فعال الناطقة ، وكذلك قالت الفلاسفة : إنّ قوى النفس تمامية لمزاج البدن ، كما أنها تمام لجسم طبيعي آلي ذي حياة بالقوّة 29 . وهي في الجسم بمنزلة الصورة في الهيولى ، والجسم للنفس الناطقة كالهيولى للصورة ، فمن كان مزاج بدنه في غاية الاستواء كانت أفعال النفس فيه في غاية الاستواء ، ومن قصّر مزاج بدنه - أعني الأعضاء التي فيها الروح - عن الاعتدال المخصوص بها قصّر أيضا الروح عمّا يجب له من الرقة واللطف والصفاء ، كما قصرّت 30 أفعال النفس فيه لتلك العلّة . ولذلك صارت قوى النفس في الصبيان ناقصة ضعيفة ، وكذلك في الأمم التي غلب على أمزجتها الحرّ والبرد ، وكالزنج والصقالبة وما ناسب بهاتين الأمتين ، ولذلك أيضا اختلفت أفعال النفس فصارت في الروح الذي في القلب الحياة والتنفس والقبض فقط . إذ ذلك الروح أقرب الأرواح إلى الهواء وأقلّها رقة ولطفا وصفاء ، ثم الروح الذي في تجويف مقدّم الدّماغ صار فيه الحسّ والتخيّل لما ناله من زيادة الرقّة واللطف والصفاء على الذي في تجويفات القلب ، ثم الروح الذي في مؤخّر الدماغ صار فيه الذكر والحفظ لما يحتاج في ذلك إلى فضل الرّقة واللطف والصفاء على ما تقدّمه من الأرواح ، إذا كان يريد أن يذكر أشياء قد قضت وبعد عهدها . فهذا ما أردنا إيراده في هذه المقدّمة ، والله الموّفق للصواب والهادي إلى وحدة العقل الوهاب .